في احدى المرات ذهبت للتبضع، ابحث عن الخضار والفواكه وبعض المنتجات القادمة من تركيا او الاردن او لبنان، تلك التي احتاجها لاعداد الطعام السوري الذي رغم تجربتي الغنية نوعا ما بالاطعمة المتنوعة من ثقافات متعددة، لا زلت أفضله و أحن إليه. وبينما كنت اتجول بين السلال المختلفة، استوقفني رجل يشبه والدي رحمه الله، في ملامحه وحركاته، وهو يتفحص الخضار بعناية لاختيار أفضلها.
بدافع عاطفي خالص سألته باللغة النرويجية:
هل انت سوري؟
جاءني الرد حادا ومفاجئا:
انا كردي.
اصابني قوله بارتباك فوري، وشعرت بانني تجاوزت حدا ما لا يرى. حاولت امتصاص حدته واستدراك الموقف، فسألته ان كان كرديا عراقيا ام كرديا سوريا، هل يتكلم العربية ، لكن نبرته ازدادت توترا وقال بحدة أشد:
انا كردي من كردستان.
ابتسمت بصمت وانسحبت بهدوء، اتابع تسوقي وانا اعاتب نفسي لانني انسقت خلف عاطفة دفعتني الى اقتحام مساحة شخص لا اعرفه واثارة غضب لم اقصده.
وبينما كنت اتنقل بين الرفوف، سمعت صوتا خلفي يقول:
انا كردي تركي.
التفت، فاذا بالعم يقف الى جانبي مبتسما ابتسامة خجولة، كأنها تحمل اعتذارا غير معلن. بادلته الابتسام، فراح يحكي عن سنواته الطويلة في هذه البلاد الباردة، وعن القمع الذي تعرض له الاكراد وما زالوا يتعرضون له حتى اليوم. ثم قال بصوت اثقلته الغربة ان وطنه هو كردستان، وطن مسلوب، يتمنى ان تطأ قدماه ترابه مرة اخيرة قبل ان يموت.
في تلك اللحظة، لم تشغلني فكرة ان حلم العم الكردي بكردستان يعني بطريقة ما اقتطاع جزء من سوريا التي أعرفها و أحلم بالعودة اليها ، بقدر ما استولى علي احساس جارح باننا نتشارك الوجع نفسه، وجع اقتلاع الانسان من ارضه وحرمانه من وطن يضمن له الكرامة والحرية والامان.
انا وهذا العم الكردي، وتلك الشابة الايرانية، وذلك اليافع الافغاني، وتلك الطفلة الاوكرانية، وسوانا ممن قذفتهم الحروب والقمع الى هذه البلاد الباردة، نشكل شعبا واحدا، شعبا منفيا يحمل اوطانه في ذاكرته ويعيش على امل العودة اليها يوما ما.
قلت له مبتسمة:
اتفهم غضبك، طاب يومك.
مضيت مسرعة، احمل دموعا ثقيلة اثرت الا يراها. وقبل ان اغادر المتجر، شعرت بيد تمسك بذراعي. كان العم الكردي يقف مبتسما مرة اخرى، يمد لي مشمشة من ذلك المشمش الغالي الذي اشتراه لاسرته.
مشمشة صغيرة من عم كردي يشبه والدي، كانت كفيلة في ذلك اليوم بان تعيد الي شيئا من دفء اللاذقية، ودفء سوريا الغائب.
كانون الثاني من عام ٢٠٢٥ باروم ساندفيكا النرويج.